أخبارتقارير وتحقيقات

تفاوت مخصصات الدعم في الدول العربية عام 2026… موريتانيا بين إصلاحات الاستهداف وتحديات العدالة الاجتماعية

تشهد الدول العربية تفاوتًا واضحًا في حجم مخصصات الدعم الحكومي الموجهة للمواطنين، حيث يمثل هذا الدعم بندًا أساسيًا في الموازنات العامة، ويشمل عادة السلع الأساسية والطاقة والخدمات الصحية والتعليمية. ويبرز هذا التفاوت بشكل خاص مع دخول عام 2026، في ظل توجه العديد من الحكومات إلى إعادة هيكلة منظومات الدعم لمواجهة الضغوط المالية وتحسين كفاءة الإنفاق العام.

وتعتمد الدول العربية على سياسات دعم متفاوتة الحجم والآليات، إذ تخصص بعض الدول نسبًا مرتفعة من موازناتها لدعم الطاقة والسلع الأساسية، بينما تتجه دول أخرى نحو تحويل الدعم المباشر إلى برامج حماية اجتماعية أكثر استهدافًا للفئات الهشة. ويأتي ذلك في سياق متغيرات اقتصادية عالمية، من بينها ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، إضافة إلى تحديات التضخم وتقلبات الأسواق الدولية.

وفي موريتانيا، أقرت الحكومة ميزانية عام 2026 بحجم يتجاوز 132 مليار أوقية (نحو 3.2 مليار دولار)، بزيادة تقارب 11% مقارنة بعام 2025، مع توقع نمو اقتصادي يصل إلى 5% مدفوعًا بارتفاع عائدات الغاز الطبيعي والتعدين. وتضمنت الميزانية هيكلة جديدة تقوم على توزيع الإنفاق عبر 108 برامج حكومية تهدف إلى تحسين فعالية استخدام الموارد وتعزيز الخدمات الاجتماعية. 

وعلى مستوى برامج الحماية الاجتماعية، رُصد نحو 1.38 مليار أوقية لبرنامج “تكافل”، الذي يستهدف دعم الأسر الفقيرة والهشة، رغم انتقادات اعتبرت هذه المخصصات محدودة مقارنة بحجم الفقر في البلاد.

كما خصصت الحكومة نحو 7 مليارات أوقية لبرامج ومشاريع ذات طابع اجتماعي، شملت مليار أوقية للمستلزمات الصحية، و550 مليون أوقية لدعم التشغيل، إضافة إلى برامج مرتبطة بالتعليم والإسكان الوظيفي للمدرسين. 

وفي سياق إصلاح منظومة الدعم، شرعت موريتانيا تدريجيًا في التحول من الدعم الشامل للسلع، خاصة المحروقات، إلى دعم موجّه للأسر محدودة الدخل، حيث ألغت الحكومة دعم الوقود مع استحداث آليات تدخل اجتماعي لحماية الفئات الأكثر هشاشة. وتشير التقديرات إلى أن نحو 42% من السكان يعيشون في ظروف فقر، ما يجعل برامج الحماية الاجتماعية ضرورة اقتصادية واجتماعية. 

وتؤكد تقارير دولية أن موريتانيا ما تزال تخصص نسبة محدودة نسبيًا من ناتجها المحلي للإنفاق الاجتماعي، إذ بلغت نفقات الحماية الاجتماعية نحو 1.51% من الناتج المحلي عام 2022، وهي نسبة أقل من المتوسط الإقليمي، رغم توجه الحكومة إلى توسيع برامج التحويلات النقدية وتحسين استهداف المستفيدين عبر السجل الاجتماعي الوطني. 

ويعكس هذا الواقع اتجاهاً عاماً في المنطقة العربية نحو إعادة توجيه الدعم من الدعم السلعي التقليدي إلى أنظمة الحماية الاجتماعية المباشرة، بهدف تحقيق كفاءة أكبر في توزيع الموارد وتحقيق العدالة الاجتماعية. غير أن نجاح هذه الإصلاحات يظل مرتبطًا بقدرة الحكومات على ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، وتحقيق توازن بين متطلبات الاستقرار المالي وحماية الفئات ذات الدخل المحدود.

وبينما تستمر الدول العربية في مراجعة سياسات الدعم خلال السنوات المقبلة، تبقى التجربة الموريتانية نموذجًا يعكس التحديات المشتركة في المنطقة، بين ضغوط الإصلاح الاقتصادي ومتطلبات العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى