قراءة لما وراء الخبر: اختطاف الرؤساء وموت القانون الدولي هل دخل العالم عصر شرعية القوة/ بقلم أحمد العالم

من انتهاك السيادة إلى تصفيتها
لطالما شهد التاريخ الحديث تدخلات عسكرية، انقلابات مدعومة من الخارج، وعقوبات اقتصادية خانقة، لكن اختطاف رئيس دولة – إن ثبت – يمثل قفزة نوعية في منسوب الفوضى الدولية. هنا لا نتحدث عن ضغط سياسي أو تدخل غير مباشر، بل عن تجريد السيادة من معناها بالكامل.
فما قيمة الدولة، وما جدوى حدودها، وما معنى الاعتراف الدولي، إذا كان بالإمكان اختطاف رأس هرم السلطة فيها دون مساءلة أو عقاب؟
شرعية القوة بدل قوة الشرعية
القانون الدولي، نظريًا، يقوم على مبدأ المساواة بين الدول، واحترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. لكن الواقع يكشف منذ سنوات عن ازدواجية صارخة:
دول يُسمح لها بالغزو وفرض العقوبات وخنق الشعوب.
ودول أخرى لا يُسمح لها حتى بالدفاع عن نفسها دون المرور عبر مجلس الأمن.
وفي حال ثبتت واقعة الاختطاف، فإننا نكون أمام إقرار رسمي بشرعية القوة بدل قوة الشرعية. لم يعد السلاح هو وحده الأداة، بل بات الاختطاف السياسي أداة من أدوات إدارة النظام الدولي.
الأمم المتحدة: مؤسسة بلا أنياب؟
يطرح هذا التطور – إن تأكد – سؤالًا وجوديًا حول دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن:
ما فائدة المواثيق الدولية إذا عجزت عن حماية أبسط قواعدها؟
ما معنى مجلس أمن تُحتكر قراراته بالفيتو؟
وما جدوى “الشرعية الدولية” إذا كانت إرادة الأقوياء فوقها؟
الجواب المؤلم أن دور هذه المؤسسات بات يقتصر – في أحسن الأحوال – على التنديد، التعبير عن القلق، والدعوة إلى ضبط النفس، بينما تُصاغ القرارات الحقيقية خارج قاعاتها.
رسالة إلى العالم الضعيف
الرسالة التي يحملها هذا التطور، إن صح، واضحة وصادمة:
لا تحكمك القوانين… بل قدرتك على فرض إرادتك.
وهي رسالة لا تستهدف فنزويلا وحدها، بل كل دولة لا تملك فائض قوة عسكرية أو نفوذًا جيوسياسيًا. إنها إعادة رسم لخارطة العلاقات الدولية على أساس الهيمنة لا الشراكة، والردع لا القانون.
إلى أين يتجه العالم؟
العالم، على ما يبدو، لا يسير نحو نظام دولي أكثر عدالة، بل نحو غابة سياسية مفتوحة:
تُختطف فيها الرؤساء.
وتُفرض فيها العقوبات الجماعية.
وتُدار النزاعات بمنطق الإملاء لا التفاوض.
والخطر الأكبر ليس في الواقعة نفسها، بل في تطبيعها، لأن أخطر ما يواجه القانون الدولي ليس انتهاكه، بل الاعتياد على انتهاكه.
إذا ثبتت صحة هذا الادعاء، فلن يكون السؤال: من اختطف من؟
بل السؤال الأخطر:
هل ما زال هناك نظام دولي أصلًا، أم أننا نعيش الفصل الأخير من وهم اسمه “القانون الدولي”؟




