آراء

حين تتحول الضرائب إلى عبء لا يُحتمل: قراءة نقدية في تدوينة الوزير الأول…بقلم/ أحمد العالم

لم تكن تدوينة الوزير الأول المختار ولد أجاي حول “جدل الضرائب” مجرد توضيح حكومي عابر، بل بدت محاولة لتبرير سياسة جبائية متصاعدة تُثقل كاهل المواطن الموريتاني في لحظة اقتصادية شديدة الهشاشة.

وبينما حاول الخطاب الرسمي تصوير الإجراءات الأخيرة كجزء من “معركة ضد التهرب الضريبي”، فإن الواقع المعيشي يكشف صورة مغايرة، حيث يجد المواطن نفسه في مواجهة موجة ضرائب ورسوم متتالية دون أن يلمس تحسناً ملموساً في الخدمات الأساسية أو في مستوى معيشته.

اللافت في تدوينة الوزير الأول أنها انطلقت من فرضية أن الاعتراض الشعبي على الضرائب ناتج عن “شائعات” أو “دعاية مغرضة”، وهو طرح يعكس – في جوهره – تجاهلاً لواقع اجتماعي ضاغط، تعاني فيه غالبية المواطنين من ارتفاع غير مسبوق في تكاليف الحياة، وتراجع واضح في القدرة الشرائية.

فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في مبدأ الضرائب ذاته، بل في توقيتها، وحجمها، وطبيعة انعكاسها على المواطن. إذ يصعب إقناع شعب يرزح تحت وطأة الغلاء بأن الضرائب تمثل طريقاً نحو التنمية، في وقت لا تزال فيه الخدمات العمومية تعاني من اختلالات بنيوية مزمنة.

اعتمد الوزير الأول على مقارنات إقليمية لإظهار أن موريتانيا تفرض نسب ضرائب أقل من دول الجوار، غير أن هذا الطرح يثير إشكالية منهجية واضحة.

فالمقارنة بين نسب الضرائب دون مراعاة الفوارق الاقتصادية ومستويات الدخل ونوعية الخدمات العمومية تظل مقارنة مجتزأة لا تعكس الصورة الكاملة.

فالضرائب لا تُقاس فقط بنسبة مئوية، بل بمدى قدرة المواطن على تحملها مقابل ما يحصل عليه من خدمات. وفي هذا السياق، تبدو المقارنة مع دول تملك بنى تحتية أكثر تطوراً وخدمات صحية وتعليمية أفضل محاولة لتزيين واقع اقتصادي لا يقبل التجميل.

رغم تأكيد الوزير الأول أن الدولة لم ترفع رسوم جمركة الهواتف، فإن ما يشعر به المواطن هو ارتفاع فعلي في تكلفة اقتناء هذه الأجهزة التي أصبحت ضرورة حياتية وليست سلعة ترفيهية. فالحديث عن “إجراءات تقنية” لضمان التحصيل لا يغير من الأثر المباشر على المستهلك، الذي يجد نفسه يدفع الثمن في النهاية.

وتكشف هذه النقطة تحديداً عن أزمة أعمق تتعلق بطريقة صياغة السياسات الاقتصادية، حيث يتم التركيز على الجوانب الإدارية والمالية دون دراسة كافية لتأثيرها الاجتماعي.

لا خلاف على أن التهرب الضريبي يمثل خطراً حقيقياً على الاقتصاد الوطني، لكن تحويله إلى المبرر الرئيسي لتوسيع دائرة التحصيل يثير تساؤلات جوهرية حول العدالة الجبائية. فالتجارب الاقتصادية تشير إلى أن الفئات الأكثر التزاماً بالضرائب غالباً ما تكون الفئات محدودة الدخل، في حين تظل القطاعات الأكثر ثراءً قادرة على الالتفاف على المنظومة الجبائية بوسائل متعددة.

ومن هنا، فإن الحديث عن “الحرب على التهرب الضريبي” يفقد مصداقيته عندما يشعر المواطن أن العبء الضريبي يتجه نحو الحلقة الأضعف في المجتمع.

الضرائب والتنمية… معادلة لم تثبت صحتها بعد
يردد الخطاب الحكومي أن الضرائب هي الوقود الحقيقي للتنمية، وهي مقولة صحيحة نظرياً، لكنها تفقد معناها عندما تغيب الشفافية في إدارة الموارد العمومية، وعندما لا يرى المواطن نتائج ملموسة لما يدفعه من أموال.

فالتنمية ليست مجرد أرقام في الميزانيات أو مشاريع معلنة في الخطابات الرسمية، بل هي تحسين فعلي في جودة الحياة، وفي فرص العمل، وفي مستوى الخدمات الأساسية. وحتى الآن، ما يزال المواطن الموريتاني يطرح السؤال ذاته: أين تذهب الضرائب التي يدفعها؟

تكشف ردود الفعل الشعبية على الإجراءات الأخيرة أن الأزمة لم تعد مالية فقط، بل أصبحت أزمة ثقة بين المواطن والدولة. فكل سياسة ضريبية جديدة تُستقبل اليوم بريبة متزايدة، نتيجة تراكمات طويلة من السياسات التي لم تحقق التوازن بين الجباية والعدالة الاجتماعية.

وما يزيد من حدة هذه الأزمة هو الخطاب الذي يميل إلى التشكيك في نوايا المنتقدين، بدل فتح نقاش وطني واسع حول أولويات الاقتصاد وسبل إصلاح المنظومة الجبائية بشكل عادل وشامل.

حين تتحول الضرائب إلى عبء اجتماعي
إن أخطر ما قد تواجهه أي دولة هو تحول الضرائب من أداة لتنظيم الاقتصاد إلى مصدر للاحتقان الاجتماعي. فالمجتمعات لا ترفض الضرائب في حد ذاتها، لكنها ترفض الشعور بالظلم في توزيع أعبائها.

وفي الحالة الموريتانية، يبدو أن السياسات الجبائية تسير في اتجاه يزيد من الضغط على المواطن، في وقت لم تنجح فيه بعد في بناء منظومة اقتصادية قادرة على خلق فرص حقيقية للنمو وتحسين مستويات الدخل.

تدوينة الوزير الأول المختار ولد أجاي كشفت عن رؤية حكومية تعتبر الضرائب ضرورة لا بد منها، لكنها في المقابل كشفت أيضاً عن فجوة عميقة بين خطاب الدولة وواقع المواطن. فالإصلاح الجبائي لا يمكن أن ينجح عبر التبرير الإعلامي أو المقارنات النظرية، بل عبر سياسات عادلة وشفافة تضمن توزيع الأعباء بشكل متوازن، وتقدم للمواطن دليلاً ملموساً على أن ما يدفعه يعود إليه في شكل خدمات وتنمية حقيقية.

وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل الجدل حول الضرائب في موريتانيا مرشحاً للتصاعد، ليس بسبب “الشائعات” كما يقال، بل بسبب واقع اقتصادي واجتماعي لم يعد يحتمل مزيداً من الأعباء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى