آراء

شباب على حافة الهاوية.. من يقرع جرس الإنذار قبل السقوط؟ : بقلم/ أحمد العالم

لم يعد ما يعيشه بعض الشباب الموريتاني اليوم مجرد مظاهر انحراف معزولة، ولا حوادث اجتماعية عابرة يمكن التعامل معها بمنطق التبرير أو الصمت. نحن أمام أزمة قيم، وأزمة تربية، وأزمة دولة، وأزمة مجتمع يتفرج على النار وهي تقترب من بيته، ثم يكتفي بلعن الدخان.

إن أخطر ما في المشهد ليس وجود المخدرات والحبوب المهلوسة في الأحياء والجامعات وبعض الفضاءات المغلقة، بل تطبيع المجتمع تدريجيا مع الخطر، وكأن هذا الانحدار قدر لا يُقاوم.

∆ جيل يُستهدف.. لا جيل ينحرف وحده

من السذاجة اختزال ما يجري في كونه “فسادا أخلاقيا” لدى بعض الشباب أو “انفلاتا” لدى بعض الفتيات، لأن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.

هذا جيل يتعرض اليوم لحصار متعدد الأوجه:

بطالة قاتلة تخنق الطموح.

فراغ روحي وفكري يفتح أبواب الضياع.

محتوى رقمي سام يروّج للانحلال بوصفه تحررا.

شبكات مخدرات تتسلل إلى المدارس والأحياء.

تراجع دور الأسرة والمدرسة والمسجد.

حين يُترك الشاب وحيدا أمام هذه العواصف، يصبح الانحراف نتيجة متوقعة لا استثناء.

المخدرات ليست تجارة فقط.. إنها مشروع تدمير

ما يُغرق بعض الأوساط الشبابية اليوم ليس مجرد تعاطٍ عابر، بل تسلل ممنهج للسموم.

الحبوب المهلوسة ليست وسيلة لهو، بل قنابل زمنية تفجر العقل والضمير والمستقبل.

من يوزع هذه السموم لا يستهدف أفرادا، بل يستهدف مجتمعًا كاملا.

ولهذا فإن التعامل المتراخي مع انتشار المخدرات لا يمثل تقصيرا أمنيا فحسب، بل ثغرة وطنية خطيرة.

إذا كان السلاح يقتل الجسد، فإن المخدرات تقتل الأمة من الداخل.

أين الأسرة؟ سؤال مؤلم لكنه مشروع

لا يمكن إعفاء الأسرة من المسؤولية.

كثير من البيوت تحولت إلى أماكن إيواء، لا مؤسسات تربية.

أب غائب باسم العمل. أم مستنزفة بين الأعباء. أبناء تُربّيهم الهواتف أكثر مما يربيهم الآباء.

ثم نُفاجأ حين ينفلت الأبناء.

التربية ليست طعاما وملبسا فقط. التربية رقابة. حوار. قدوة. ومتابعة.

حين يغيب ذلك، يملأ الشارع الفراغ.

المجتمع أيضا شريك في التقصير

الصمت الاجتماعي جزء من الأزمة.

كم من مظاهر انحراف نراها ونسكت؟ كم من أوكار فساد نعرفها ونتجاهلها؟ كم من شباب يصرخ طلبا للإنقاذ فلا يسمعه أحد؟

المجتمع الذي يسخر من الضحية بدل إنقاذها، أو يبرر الانهيار باسم “الواقع تغير”، مجتمع يشارك بصمته في صناعة الكارثة.

∆خطاب التبرير أخطر من الانحراف نفسه

من أخطر ما يواجهنا اليوم ظهور خطاب يهوّن من الانحراف، أو يبرره، أو يحاول إخفاءه خوفا من “الفضيحة”.

وهنا مكمن الخطر.

فالأمم لا تنهار حين تظهر فيها الأزمات، بل حين تكف عن الاعتراف بها.

التستر على المرض لا يعالج المرض.

بل يقتله بصمت.

الدولة مطالبة بما هو أبعد من البيانات

∆المعركة ليست أخلاقية فقط، بل مؤسساتية.

نحتاج:

1. حربا حقيقية على شبكات المخدرات، لا حملات موسمية.

2. رقابة أشد على مصادر الحبوب المهلوسة ومسارات تهريبها.

3. برامج إنقاذ وإعادة تأهيل للشباب المدمنين بدل وصمهم فقط.

4. إعادة الاعتبار للمدرسة كفضاء تحصين لا تلقين.

5. سياسات تشغيل تمنح الشباب معنى للمستقبل.

فالشاب الذي يملك أملا، أقل قابلية للسقوط.

∆ ناقوس الخطر يُقرع الآن

ما يجري اليوم ليس أزمة جيل، بل إنذار وطن.

إذا تُرك الشباب لقسوة البطالة، ولسموم الشوارع، ولإغراء الانفلات، فإننا لا ننتج فقط جيلا ضائعا، بل نهيئ مستقبلا مرتبكا للدولة نفسها.

إن سقوط الشباب ليس سقوط أفراد… بل تصدع في أساس المجتمع.

وهنا يجب أن نقولها بوضوح:

التهاون اليوم جريمة. والصمت تواطؤ. والتأجيل مقامرة بمصير جيل كامل.

ما المطلوب؟

ليس جلد الشباب. ولا شيطنة الفتيات. ولا البكاء على القيم المفقودة.

المطلوب مشروع إنقاذ.

مشروع يعيد للشاب معنى الحياة، وللأسرة دورها، وللمجتمع يقظته، وللدولة هيبتها.

وإلا فإن ما نراه اليوم من تصدعات لن يكون إلا بداية انهيارات أكبر.

ليس الهدف من هذا المقال جلد المجتمع، بل دق ناقوس الخطر قبل فوات الأوان.

لأن الأمم التي تنقذ شبابها، تنقذ مستقبلها.

أما التي تترك أبناءها فرائس للمخدرات والفراغ والانحلال… فإنها تؤجل الكارثة فقط، ولا تمنعها.

والسؤال الذي يجب أن يطارد الجميع:

من ينقذ شباب موريتانيا… قبل أن يصبح الإنقاذ متأخرا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى