الحوار .. لا حصاد قبل نثر البذور محمد محفوظ المختار – كاتب صحفي

لا مراء أن من نظر نظرة متأنية لما نشر في الإعلام من دعوات للحوار هذه الأيام أو تسرب إلى الإعلام عن فعاليات الجلسات التحضيرية للحوار سابقا، إضافة لما صدر من تصريحات عمن حضر تلك الجلسات أو من غاب عنها من مختلف أطراف المشهد السياسي سيلاحظ أن هناك من لا يريد أن يدخل أصلا إلى قاعة الحوار الوطني الذي تعتزم الحكومة إطلاقه رغم دعوته العلنية له ، وهناك من لا يريد أن يلج إلى قاعة الحوار إلا بعد أن يضمن بماذا سيخرج، أو ماذا سيترتب على مشاركته في هذا الحوار من نتائج، وهل النتائج السياسية ستكون ثمنا مقبولا لقبوله الدخول إلى قاعة الحوار … وذلك عبر منطق “الحصاد قبل نثر البذور”
ومعلوم أن مثل هذا المنطق لا يستقيم، نظرا لأن صاحبه لا يستند في رفضه للجلوس إلى طاولة الحوار إلى ركن شديد، بل يأوي إلى هواجس يمكن القول إنها بمختلف صيغها تبقى حواجز ومتاريس تحول دون الانطلاقة الفعلية نحو حوار وطني جامع تحتاجه موريتانيا من أجل ترسيخ استقرار سياسي يكفل للدولة التفرغ لحماية مصالح مواطنيها والنهوض بمسؤولياتها اتجاههم بما يفرضه ذلك من صون للحرية وترسيخ للعدالة ونشر لثقافة التعاون، ثم التصدي للتهديدات التي تواجه الدولة، والمحافظة على النظام القائم وإصلاحه بما يستدعيه ذلك من تلاف للقصور الإداري ومكافحة وكبح للفساد المالي..
الحوار الذي يبتغيه فخامة الرئيس يريد له أن يكون خطوة فاعلة نحو ترسيخ دولة تتمتع بمرونة إدارية تخدم المواطن، وفاعلية سياسية تعلي من القيم الوطنية والمشتركات الجامعة، ونماء اقتصادي ينعكس إيجابا على الواقع اليومي للمواطنين. وانسجاما مجتمعيا يقوي اللحمة ويعزز التعايش، كما سترسم النتائج المتمخضة عن هذا الحور أنجع الخطط وتبرز أفضل المسارات التي تجنب بلادنا الانزلاق إلى ما هوت إليه دول أقوى في الماضي القريب من اضطراب سياسي وفوضى مجتمعية، ولن يكون كل ما سبق ما لم تكن هناك أرضية مشتركة تحتضن الجميع تحت ظلال خيمة الوطن الوارفة، وتطرح كل النقاط على طاولة الحوار في أجواء من الانفتاح والمرونة.
هذا الانفتاح والمرونة لن يتأتيا إلا بوجود شركاء يحملون خطابا وطنيا يجمع بين الصدق والانتماء. ولهم رؤية تتسم بقدر كبير من الوضوح، شركاء هم أبعد ما يكون عن كل مواطن الضبابية في الخطاب، والأهواء الشخصية في المواقف، والحسابات السياسية الضيقة في التموقع.
المشهد السياسي بحاجة إلى كل تشكيلاته، وحين اقول كل تشكيلاته فإنني أعني حصرا تلك التي تنطلق من مشروع وطني متكامل يجمع ولا يفرق، ويحمل قادته خطابا رصينا يمكن أن تعيه أذن واعية.
وقبل أن أختم أود التأكيد على ملاحظة يجب التنبه لها، وهي أن الدعوة إلى شمولية الحوار تتنافى منطقيا مع الاستثناءات التي تطرحها نفس الجهات التي تدعو إلى الشمولية، وهي ملاحظة غير سياسية لكنها تبدو أقرب إلى الدعوة إلى نزر ولو يسير من الترابط المنطقي الذي يجب أن يطبع الخطاب السياسي الناضج والمسؤول خاصة ونحن ندخل أجواء حوار يتطلع إليه الجميع.
ختاما : من يريد نتائج مبهرة وثمارا يانعة من الحوار الشامل عليه أولا أن يجلس إلى طاولته، ويناقش ويمحص ويبحث عن أقصر سبيل إلى تجسيد رؤيته في مواضيع الحوار وملفاته بمختلف تداخلاتها أو تباينها. وعندئذ فقط سيحصد ما زرع.




