“مشروع 2029”… هل تتحول الديمقراطية الأمريكية إلى ساحة لتصفية الخصوم؟…بقلم: أحمد العالم

“مشروع 2029”… هل تتحول الديمقراطية الأمريكية إلى ساحة لتصفية الخصوم؟…بقلم: أحمد العالم
بينما ينشغل العالم بتداعيات الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، وحرائق الحروب الممتدة من شرق أوروبا إلى الشرق الأوسط، تتسلل من داخل أروقة العاصمة الأمريكية واشنطن روايات مثيرة للجدل حول ما بات يُعرف بـ“مشروع 2029”؛ وهو مصطلح غامض يتردد في دوائر سياسية وإعلامية بوصفه خطة تتجاوز الحسابات الانتخابية التقليدية إلى ما هو أبعد وأكثر تعقيدًا.
وفق ما يتم تداوله، لا يتعلق الأمر بمجرد تنافس ديمقراطي بين حزبين، بل بخارطة طريق يُقال إنها تستهدف تفكيك الإرث السياسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وربما إنهاء حضوره – ومعه تيار “الترامبية” – من المشهد السياسي الأمريكي بشكل نهائي. هذه المزاعم، إن صحت، تفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول طبيعة التحولات داخل النظام الديمقراطي الأقدم في العالم.
من صناديق الاقتراع إلى قاعات المحاكم
تاريخيًا، قامت الديمقراطية الأمريكية على مبدأ التداول السلمي للسلطة عبر الانتخابات. لكن ما تشير إليه هذه التسريبات – في حال ثبوتها – يعكس انتقالًا نوعيًا في أدوات الصراع السياسي: من صناديق الاقتراع إلى ساحات القضاء.
هذا التحول ليس جديدًا بالكامل، فقد شهدت الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا في استخدام القضاء كأداة للفصل في النزاعات السياسية، خصوصًا بعد أحداث اقتحام مبنى الكابيتول 2021، التي عمّقت الانقسام وأعادت تعريف حدود الصراع بين المؤسسات.
غير أن ما يُطرح اليوم يتجاوز فكرة “المساءلة القانونية” إلى ما يشبه “إعادة هندسة المجال السياسي”، عبر إقصاء شخصيات بعينها قانونيًا، بما يضمن تحييدها لسنوات طويلة، وربما إلى الأبد.
استهداف الأشخاص أم تصحيح المسار؟
تتمثل الإشكالية الكبرى في طبيعة الأهداف المفترضة لهذا المشروع. فالتقارير المتداولة تتحدث عن قوائم تشمل شخصيات مقربة من دونالد ترامب، بل وحتى أفرادًا من عائلته، في إطار قانوني معقد يُراد له أن يبدو كجزء من “تطبيق العدالة”.
لكن هنا يبرز السؤال الجوهري:
هل نحن أمام مسار قانوني مشروع لتصحيح اختلالات سابقة، أم أمام توظيف سياسي للقضاء بهدف تصفية الخصوم؟
الخط الفاصل بين الأمرين دقيق للغاية، وخطورته تكمن في أنه إذا تم تجاوزه، فإن الثقة في المؤسسات – وهي العمود الفقري لأي نظام ديمقراطي – قد تتعرض لاهتزاز عميق.
لماذا 2029 تحديدًا؟
اختيار هذا الأفق الزمني ليس عشوائيًا. فهو يتقاطع مع دورات انتخابية مفصلية، ويمنح – نظريًا – مساحة زمنية كافية لإدارة معارك قضائية طويلة، تنتهي بإغلاق الباب أمام عودة التيار الترامبي قبل استحقاقات حاسمة.
بمعنى آخر، إن صح هذا الطرح، فإن “مشروع 2029” ليس مجرد خطة آنية، بل استراتيجية بعيدة المدى لإعادة تشكيل التوازنات السياسية داخل الولايات المتحدة.
بين الحقيقة والحرب النفسية
رغم خطورة ما يُتداول، لا يمكن تجاهل احتمال أن تكون هذه الروايات جزءًا من حرب نفسية وإعلامية متبادلة بين المعسكرين السياسيين في أمريكا.
فالتضخيم، والتسريب الانتقائي، وبناء السرديات، كلها أدوات مألوفة في الصراع السياسي الحديث.
ومع ذلك، فإن مجرد تداول هذه الفكرة – حتى وإن كانت غير مؤكدة – يعكس مستوى غير مسبوق من انعدام الثقة بين الفاعلين السياسيين، ويشير إلى أن الصراع لم يعد فقط على السلطة، بل على تعريف قواعد اللعبة نفسها.
هل نحن أمام تحول تاريخي؟
إذا ثبت أن القضاء يُستخدم كأداة لإقصاء تيار سياسي بعينه، فإن ذلك سيشكل سابقة خطيرة في تاريخ الديمقراطية الأمريكية، وقد يفتح الباب أمام دورات انتقام سياسي متبادل، تقوض الاستقرار المؤسسي على المدى الطويل.
أما إذا تبين أن الأمر لا يعدو كونه مبالغة أو شائعة، فإن ذلك لا يقل خطورة، لأنه يكشف عن هشاشة البيئة السياسية، واستعدادها لتصديق سيناريوهات تعكس فقدان الثقة في النظام نفسه.
ما بين الحقيقة والتضليل، يظل “مشروع 2029” – إن وُجد – مؤشرًا على مرحلة انتقالية تعيشها الولايات المتحدة، حيث تتداخل السياسة بالقانون، وتتشابك الديمقراطية مع أدوات القوة الناعمة والخشنة في آن واحد.
في النهاية، قد لا تكون القصة في تفاصيل هذا المشروع بقدر ما هي في دلالته:
أن الديمقراطية، حتى في أعرق نماذجها، ليست نظامًا ثابتًا، بل ساحة صراع مفتوحة… يمكن أن تعيد تعريف نفسها – أو تُعاد صياغتها – تحت ضغط المصالح والنفوذ.
والأهم من ذلك، أن ما يجري خلف الكواليس في الولايات المتحدة، لن يبقى حبيسها طويلًا، بل قد يمتد أثره ليعيد تشكيل ملامح النظام الدولي بأسره




