آراء

إيران ومناورة قلب المشهد: قراءة في تحوّل الضغط إلى مكاسب سياسية…بقلم: أحمد العالم

 في خضم تصاعد الضغوط الدولية والداخلية، نجحت إيران خلال فترة زمنية قصيرة في إعادة ترتيب أوراقها السياسية والدبلوماسية، وتحويل مسار الأزمة من حالة استنزاف وضغط متواصل إلى مساحة مناورة مكّنتها من استعادة زمام المبادرة، ولو بشكل مؤقت.

ما جرى لم يكن حدثًا عابرًا، بل سلسلة تحركات محسوبة التوقيت، اعتمدت على الجمع بين الدبلوماسية الصدامية، والحضور الشعبي، وإدارة السردية الإعلامية، وهو ما فرض على خصوم طهران مراجعة خطابهم ونبرتهم.

كسر السردية الغربية

أولى هذه الخطوات تمثلت في التحرك الدبلوماسي الذي قامت به طهران عبر استدعاء عدد من السفراء الأوروبيين، في رسالة واضحة مفادها أن إيران لن تكتفي بعد الآن بدور المتلقي للاتهامات.

الرسالة الإيرانية ركّزت على التشكيك في توصيف الاحتجاجات على أنها «سلمية خالصة»، وطرحت رواية مضادة تتحدث عن وجود أعمال عنف منسّقة وعناصر مندسّة تستهدف زعزعة الاستقرار الداخلي.

هذا التحرك أعاد خلط الأوراق على المستوى السياسي، إذ انتقلت إيران من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم الإعلامي، وفرضت روايتها – أو على الأقل وضعتها – على طاولة النقاش مع العواصم الأوروبية.

الشارع كعامل توازن

في موازاة ذلك، استثمرت القيادة الإيرانية في عامل الشارع، عبر تنظيم تظاهرات حاشدة مؤيدة للنظام، شارك فيها الرئيس الإيراني نفسه.

هذا المشهد كان موجّهًا للداخل والخارج معًا؛ فهو من جهة عزّز معنويات القاعدة المؤيدة، ومن جهة أخرى بعث برسالة للخارج مفادها أن النظام لا يزال يمتلك حاضنة اجتماعية وازنة، وأن الرهان على انهياره الداخلي ليس أمرًا محسومًا.

وبالفعل، أظهرت مؤشرات أولية تراجعًا نسبيًا في زخم التظاهرات المعارضة، ما أعاد التوازن – ولو مؤقتًا – إلى المشهد الداخلي.

تبدّل في لهجة واشنطن

اللافت في هذا السياق هو التغيّر الملحوظ في نبرة الخطاب الأمريكي، حيث انتقلت واشنطن من التصعيد اللفظي إلى الحديث عن فرص التفاوض، خاصة في ما يتعلق بالملف النووي.

ورغم أن هذا التحول لا يعني تغييرًا استراتيجيًا جذريًا، إلا أنه يعكس نجاح إيران في فرض إيقاع مختلف على الأزمة، وكسب وقت ثمين في لحظة كانت الضغوط فيها تتراكم بوتيرة متسارعة.

في السياسة الدولية، الوقت ليس عنصرًا محايدًا، بل أداة قوة، وقد أحسنت طهران استثماره في هذه المرحلة.

حسابات إسرائيلية أكثر حذرًا

في المقابل، بدا الموقف الإسرائيلي أكثر تحفظًا، حيث تشير تقديرات أمنية إلى تفضيل تجنب مواجهة مباشرة في الظرف الراهن.

هذا الحذر يعكس إدراكًا بأن أي ضربة عسكرية قد تؤدي إلى نتائج عكسية، وتمنح إيران فرصة لتظهير نفسها كضحية عدوان، بدل بقائها في موقع المتهم.

يمكن القول إن إيران نفّذت مناورة سياسية مركّبة، نجحت من خلالها في:

إعادة ضبط السردية الدولية حول ما يجري في الداخل،
إظهار تماسك نسبي في الجبهة الداخلية،
تخفيف حدّة الضغط الأمريكي،
وفرض حالة تريّث في الحسابات الإسرائيلية.

غير أن هذه المكاسب، رغم أهميتها، تبقى مرحلية وقابلة للتآكل، في ظل استمرار تعقيدات الملف النووي، وتشابك الصراعات الإقليمية، وعدم وجود ضمانات حقيقية لخفض التصعيد على المدى المتوسط.

ما حققته طهران حتى الآن هو «كسب جولة»، لا حسم المعركة.

أما الاتجاه الذي ستسلكه الأحداث، فسيظل مرهونًا بقدرة إيران على تثبيت هذه المكاسب، وبكيفية ردّ خصومها في المرحلة المقبلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى