العرض العسكري في ذكراه الخامسة والستين: حين يثمر الصبر الاستراتيجي قوةً وهيبةً وطنية … بقلم/ احمد العالم

في الذكرى الخامسة والستين لاستقلال موريتانيا، بدا العرض العسكري الذي شهدته نواكشوط صباح الثامن والعشرين من نوفمبر أكثر من مجرد استعراض تقليدي للقوة. لقد كان بيانًا وطنيًا مكتمل الأركان، وصورة صافية لنتائج “الصبر الاستراتيجي” الذي انتهجته الدولة خلال السنوات الماضية في مواجهة تحديات أمنية وإقليمية معقدة.
فعلى امتداد 1,030,700 كيلومتر مربع، استطاعت موريتانيا، منذ ستة عقود ونصف، أن تحافظ على سيادتها ووحدتها وهويتها، في محيط إقليمي تعصف به النزاعات والانقلابات والتهديدات العابرة للحدود. هذا الثبات لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة عمل متدرج، هادئ، ومنتظم، يقوم على تعزيز قدرات القوات المسلحة، ورفع جاهزية الأمن، وترسيخ مفهوم دولة المؤسسات.
رسالة ردع في محيط مضطرب
جاء العرض العسكري لهذا العام بمثابة رسالة ردع واضحة المعالم لكل من يترصد أمن موريتانيا أو يحاول المساس بوحدتها الترابية. فقد أظهر الجيش الوطني — بمختلف تشكيلاته البرية والجوية والبحرية — تطورًا نوعيًا في العتاد والتنظيم والتنسيق العملياتي، عاكسًا انتقال المؤسسة العسكرية من مرحلة البناء إلى مرحلة الرسوخ والجاهزية.
ولم يكن الحضور السياسي والدبلوماسي الرفيع خلال العرض مجرد بروتوكول؛ بل إشارة إلى أن الدفاع عن الوطن مشروع دولة كاملة، يلتقي فيه القرار السياسي مع الجهد العسكري، وتتعاضد فيه الدبلوماسية مع الأمن القومي.
خلط الأوراق وإعادة ضبط المشهد
وفق مراقبين، فإن المشاهد التي قدمها العرض أمس أربكت حسابات أعداء الوطن داخليًا وخارجيًا، وأعادت رسم صورة جديدة لموريتانيا كدولة قادرة على حماية نفسها، وفرض احترام سيادتها، ومواصلة دورها المحوري في استقرار منطقة الساحل.
لقد أعاد العرض التأكيد على أن “الحوزة الترابية” ليست مجرد حدود جغرافية، بل رمز لكرامة دولة وشعب. وأن كل محاولة لتهديدها أو التشكيك في صلابتها ستواجه بجدار صلب من اليقظة والجاهزية والردع المدروس.
جيش بمستقبل واضح
إن المسار المتدرج الذي يسلكه الجيش الموريتاني اليوم نحو امتلاك أدوات الردع — تدريبًا وتسليحًا وتحديثًا — يجعل منه مؤسسة تتطور بثبات، بعيدًا عن الاستعراضات العابرة أو المشاريع غير الواقعية. فالتطوير هنا مبني على رؤية شاملة تأخذ في الحسبان متطلبات الأمن القومي، والتحديات الإقليمية، والدور المتنامي لموريتانيا في محيطها.
وطن يستحق الاحتفاء
خمسة وستون عامًا لم تكن سهلة، لكن الشعب الموريتاني — بتنوعه وثقافته وتاريخه — أثبت أنه شعبٌ قادر على حراسة خيمته الكبرى، والتمسك بدولته، وصون سلمه الاجتماعي، وتجاوز كل ما يُراد به من اضطراب.
ولذلك، جاءت رسائل الاحتفال هذا العام لتؤكد أن الجيش ليس مجرد مؤسسة نظامية، بل هو العمود الفقري لوحدة الوطن، ودرعه الحصين، ورمز تضحيته الجماعية.
في ذكرى الاستقلال، تجدد موريتانيا عهدها مع نفسها:
أن تظل قوية بوحدتها،
مهابة بسيادتها،
راسخة بأمنها،
ومتقدمة بطموح شعبها.
كل عام ووطننا بخير،
وكل عام وجيشنا رمز العزة والتضحية،
وكل عام وموريتانيا أكبر وأقوى وأكثر إشراقًا.




