انتفاخ الأهلة بين النصوص النبوية ومشاهدات الواقع.. بقلم/ أحمد العالم

تتجدد في كل عام، ومع حلول شهر رمضان المبارك، نقاشات دينية وفلكية حول رؤية الهلال، ويتداول كثير من الناس مشاهداتهم وتعليقاتهم بشأن شكل الهلال وحجمه، لا سيما حين يبدو أكبر من المعتاد أو أكثر وضوحاً في الليلة الأولى.
ومن بين المفاهيم التي تُستحضر في هذا السياق ما يُعرف بـ”انتفاخ الأهلة”، والذي ورد في بعض الأحاديث النبوية ضمن أشراط الساعة.
فقد جاء في الحديث الذي رواه الطبراني وغيره، أن من علامات الساعة: «انتفاخ الأهلة»، وهو تعبير أثار اهتمام العلماء قديماً وحديثاً، بين من حمله على ظاهره الحسي، ومن ربطه بدلالات معنوية تتصل بتغير أحوال الناس وإدراكهم للزمن.
بين الفهم اللغوي والدلالة الشرعية
الانتفاخ في اللغة يدل على الزيادة والكبر، وعليه فإن “انتفاخ الأهلة” قد يُفهم على أنه ظهور الهلال في أول ليلة منه كبيراً على غير المعتاد، حتى يُخيَّل للناظر أنه هلال الليلة الثانية أو الثالثة.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن المقصود بذلك اختلال في إدراك الزمن أو تسارع في الأيام، بينما رأى آخرون أنه علامة حسية مرتبطة بتغيرات كونية.
غير أن أهل التحقيق من العلماء شددوا على ضرورة التثبت من صحة الروايات الواردة في هذا الباب، إذ إن كثيراً من أحاديث أشراط الساعة تحتاج إلى تدقيق في أسانيدها، وعدم الجزم بنسبة أي قول إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد ثبوته.
مشاهدات رمضان بين الإيمان والعلم
في رمضان هذا العام، تداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي صوراً ومقاطع فيديو لهلال الشهر، معتبرين أنه بدا “منتفخاً” أو أكبر من المعتاد في ليلته الأولى.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل ما نشاهده اليوم يدخل في نطاق العلامات المشار إليها في الأحاديث؟
علمياً، يفسر الفلكيون اختلاف حجم الهلال الظاهري بعوامل متعددة، من بينها زاوية الرؤية، وموقع القمر بالنسبة للأرض والشمس، وصفاء الغلاف الجوي.
كما أن قرب القمر من الأفق قد يجعله يبدو أكبر للعين المجردة، وهي ظاهرة بصرية معروفة.
ومن ثم، فإن الربط المباشر بين الظواهر الفلكية الطبيعية وعلامات الساعة يحتاج إلى قدر كبير من الحذر، حتى لا يتحول الخطاب الديني إلى مجال للتأويلات غير المنضبطة أو التهويل غير المستند إلى علم.
بين اليقين والإشاعة
الإيمان بأشراط الساعة جزء من العقيدة الإسلامية، وقد ثبتت علامات كبرى وصغرى بنصوص صحيحة، لكن التعامل معها ينبغي أن يكون بعلم وروية. فليس كل ظاهرة غير مألوفة دليلاً على اقتراب النهاية، ولا كل اختلاف في رؤية الهلال مؤشراً على تحقق علامة من العلامات.
إن ما يعنينا في النهاية هو أن تكون هذه الظواهر مدعاة لزيادة الإيمان، ومراجعة النفس، واستحضار قيمة الزمن، لا مادة لإثارة القلق أو نشر الشائعات.
يبقى رمضان موسماً للطاعة والتقوى، سواء بدا الهلال منتفخاً أم دقيقاً، فالعبرة ليست بحجمه في السماء، بل بما يعمر به القلب من خشوع وإخلاص




