آراء

ترامب والخطر الإيراني: قراءة استراتيجية في فخ التاريخ….بقلم / أحمد العالم

في خطاب موجه إلى الشعب الإيراني، بدا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكأنه يعيد سيناريوً سياسيًا مألوفًا في الشرق الأوسط، يشبه إلى حد بعيد الخطاب الذي وجهه جورج بوش الابن للشعب العراقي قبيل غزو العراق عام 2003.

إذ جاء في خطاب ترامب تأكيداته على احترام الشعب الإيراني ووعده بـ”تحريره من نظامه المستبد”، مع وعد برفاهية مزعومة تحت النفوذ الأمريكي، وهو خطاب يثير مخاوف تاريخية وواقعية في آن واحد.

إذا أُمعنّا النظر في تجربة العراق بعد الغزو الأمريكي، فإن ما قد يواجهه الشعب الإيراني في حال تدخل عسكري أمريكي مشابه قد يكون مأساويًا بنفس القدر، إن لم يكن أكثر.

العراق بعد سقوط صدام حسين شهد مقتل عشرات الآلاف من المدنيين، إضافة إلى استخدام أسلحة أثارت جدلًا دوليًا حول قانونية استخدامها. البنية التحتية للدولة انهارت، وتم تدمير المؤسسات الحيوية، وانتشرت الفوضى، ما أتاح لتنظيم داعش الإرهابي السيطرة على مناطق واسعة، وترك آثارًا طويلة الأمد على المجتمع العراقي بأكمله.

الجانب الإنساني في هذا السياق لا يقل خطورة عن البعد السياسي. ما جرى في سجن أبو غريب مثال صارخ على الانتهاكات التي ارتكبها الجيش الأمريكي، والتي صدمت الرأي العام الدولي وأثرت على صورة الولايات المتحدة عالميًا، رغم أن الجنود أنفسهم كانوا يُصوَّرون في وسائل الإعلام الأمريكية كأبطال.

هذا التناقض بين الرواية المحلية والدولية يعكس هشاشة التدخل العسكري في تحقيق “الحرية” المزعومة، ويكشف عن ثغرات استراتيجية كبيرة في فهم وتقدير عواقب الاحتلال.

من منظور استراتيجي، أي تدخل أمريكي عسكري في إيران سيواجه تحديات أكبر بكثير من العراق، بما في ذلك قوة الجيش الإيراني، وتعقيدات الجغرافيا، وإمكانية إشعال صراعات إقليمية واسعة، وتداعيات اقتصادية وسياسية على المستوى الدولي.

التاريخ يعلمنا أن فرض “التحرير” بالقوة غالبًا ما يؤدي إلى العكس، حيث ينتشر الفوضى ويزداد العنف، بينما يزداد الشعب المحلي معاناة ويزداد التوتر في المنطقة بأسرها.

إن خطاب ترامب للشعب الإيراني ليس مجرد كلمات بل رسالة سياسية ضمنية تحمل في طياتها درس التاريخ العراقي: الحرية تحت الاحتلال العسكري ليست حرية، والوعود بالرخاء تحت النفوذ الأجنبي غالبًا ما تتحول إلى كارثة إنسانية واستراتيجية.

يبقى السؤال الأهم: هل ستتعلم الإدارة الأمريكية الحالية من تجاربها السابقة، أم ستكرر السيناريو العراقي في قلب الشرق الأوسط مجددًا؟ التاريخ والاستراتيجية يقدمان الإجابة، ولكن على صانعي القرار أن يتذكروا أن الشعوب ليست أوراق شطرنج يمكن تحريكها بحسب المصالح

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى