سقوط إيران بين الحسابات الجيوسياسية ومخاوف الفوضى الإقليمية…بقلم / أحمد العالم

في خضمّ التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، يكثر الحديث في بعض الأوساط السياسية والإعلامية عن احتمال سقوط النظام في إيران، ويذهب البعض إلى التعبير عن فرحٍ مسبق بمثل هذا السيناريو، باعتباره نهاية لخصمٍ إقليمي لطالما ارتبط اسمه بصراعات المنطقة.
غير أنّ القراءة المتأنية للمشهد الجيوسياسي تفرض طرح سؤالٍ جوهري: ماذا يعني فعلاً سقوط دولة بحجم إيران؟ وهل سيكون ذلك مكسباً استراتيجياً للمنطقة، أم بداية لمرحلة أكثر تعقيداً واضطراباً؟
إنّ التجارب الحديثة في الشرق الأوسط تُظهر أن انهيار الدول الكبرى لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار، بل غالباً ما يفتح أبواب الفوضى.
فالنماذج التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الأخيرين – في العراق وسوريا وليبيا – تؤكد أن إسقاط الأنظمة دون وجود بدائل مؤسساتية مستقرة يؤدي إلى تفريغ الدولة من بنيتها، وتحويلها إلى ساحة تتنازعها الميليشيات والتنظيمات المسلحة والتدخلات الخارجية.
وفي حالة إيران، وهي دولة كبيرة من حيث المساحة والسكان والقدرات العسكرية، فإنّ أي انهيار مفاجئ قد يطلق موجة اضطرابات إقليمية تتجاوز حدودها الجغرافية لتطال مجمل توازنات غرب آسيا.
كما أن التاريخ السياسي للصراعات الدولية يشير إلى أن التدخلات العسكرية الكبرى لا تتم بمعزل عن مصالح القوى العظمى. فالسياسات الأمريكية، منذ الحرب الباردة وحتى اليوم، غالباً ما ارتبطت بحسابات النفوذ والمصالح الاستراتيجية، لا باعتبارات الاستقرار الإقليمي فقط.
ومن هذا المنظور، فإنّ أي تغيير جذري في بنية الدولة الإيرانية لن يكون حدثاً محلياً فحسب، بل حلقة في سياق صراع دولي أوسع يتقاطع فيه النفوذ الأمريكي مع حسابات قوى أخرى كروسيا والصين.
ومن زاوية أخرى، يرى بعض المحللين أن تفكك الدول المركزية في الشرق الأوسط قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة على أسس طائفية أو إثنية، وهو السيناريو الذي طالما حذرت منه دراسات جيوسياسية عديدة.
فإيران، رغم الخلافات الكبيرة حول سياساتها الإقليمية، تبقى دولة محورية في معادلة التوازن الإقليمي، وسقوطها قد يخلق فراغاً استراتيجياً واسعاً تتسابق القوى الإقليمية والدولية لملئه.
ويتضاعف هذا القلق إذا ما أخذنا في الاعتبار الموقع الجغرافي الحساس لإيران، المطلة على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم.
فاضطراب الوضع الداخلي في دولة تتحكم عملياً في أحد أهم شرايين التجارة الدولية قد ينعكس مباشرة على أمن الملاحة العالمية، ويزيد من عسكرة المنطقة تحت ذرائع حماية خطوط الإمداد.
ولا يمكن إنكار أن السياسات الإيرانية خلال العقود الماضية أثارت الكثير من الجدل في العالم العربي، بسبب تدخلاتها في ملفات إقليمية متعددة مثل اليمن وسوريا والعراق.
إلا أن الخلاف مع سياسات دولة ما لا يعني بالضرورة أن انهيارها سيكون خياراً أفضل.
فالتجربة التاريخية تشير إلى أن الفراغ الجيوسياسي غالباً ما يكون أكثر خطورة من وجود خصمٍ إقليمي واضح المعالم.
من جهة أخرى، تمثل إيران أحد الأطراف المؤثرة في موازين القوى الإقليمية، إلى جانب دول كبرى في المنطقة مثل تركيا ومصر. وقد أدى وجود هذه القوى المتعددة إلى نوعٍ من التوازن النسبي، رغم حدة التنافس بينها.
أما اختفاء أحد هذه الأطراف من المعادلة بشكل مفاجئ، فقد يؤدي إلى اختلال هذا التوازن، ويفتح المجال أمام صعود قوى أخرى بصورة أكثر اندفاعاً.
وفي البعد الدولي، تُعدّ إيران حليفاً مهماً لكل من روسيا والصين في العديد من الملفات الاستراتيجية، بما في ذلك الطاقة والتجارة ومشاريع البنية التحتية العابرة للقارات.
ومن ثم فإن أي تغيير جذري في موقع إيران قد ينعكس على طبيعة الصراع الدولي الدائر بين القوى الكبرى، ويعيد ترتيب موازين النفوذ في الشرق الأوسط.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو فكرة الاحتفاء المسبق بسقوط إيران قراءة تبسيطية لمشهد معقد.
فالقضية لا تتعلق بمجرد تغيير نظام سياسي، بل باحتمال إعادة تشكيل توازنات منطقة بأكملها، تمتد تداعياتها من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ومن آسيا الوسطى إلى شرق المتوسط.
إن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في الموقف من النظام الإيراني بقدر ما يجب أن يتسع لفهم التداعيات الاستراتيجية لأي تحولات كبرى في المنطقة.
فاستقرار الدول، مهما اختلفت سياساتها، يظل في كثير من الأحيان أقل كلفة من انهيارها، لأن انهيار الدول غالباً ما يفتح الباب أمام صراعات طويلة الأمد يصعب احتواؤها.
إنّ مستقبل الشرق الأوسط لا يتحدد فقط بسقوط أو بقاء دولة بعينها، بل بقدرة المنطقة على تجنب سيناريوهات التفكك والفوضى التي أثبتت التجارب أنها الأكثر كلفة على شعوبها.
ومن هذا المنطلق، فإن التفكير في تداعيات سقوط إيران يجب أن يتجاوز منطق الخصومة السياسية الآنية، ليأخذ في الاعتبار التوازنات الاستراتيجية الأوسع التي تحكم أمن المنطقة واستقرارها




